| انتحار موظفي "فرانس تليكوم" بسبب الأزمة المالية | |
| | |
| محمد الكفراوي 9/17/2009 9:48:00 AM GMT جاءت الإحصائيات التي تؤكد ارتفاع معدل الانتحار بين موظفي شركة فرانس تليكوم متعددة الجنسيات، لتلقى بالضوء على ظاهرة مهمة تجتاح العالم بسبب الأزمة المالية العالمية. ألا وهي الاضطراب النفسي لدي الموظفين، والإحساس بالخطر نتيجة تهديدهم بخسارة وظائفهم أو مناصبهم داخل المؤسسات الكبرى. الموضوع أخذ صبغة سياسية في فرنسا بعد انتحار 23 موظفا في شركة فرانس تليكوم، منذ بداية عام 2008 وحتى الآن. ومعظم الحالات التي تم رصدها إما أنها فقدت وظيفتها أو فقدت موقعها داخل الشركة بسبب الأزمة المالية العالمية، بالإضافة إلى تحويل الشركة من القطاع العام إلى القطاع الخاص، لتصبح ذات بعد تنافسي، ما يتطلب التعامل بشكل مختلف مع العمالة ومع الموظفين عموما لتحقيق اكبر نسبة من الأرباح. ورصدت بعض التقارير وجود ضغوط تعرض لها بعض الموظفين الذين كانوا يعملون بالشركة عندما كانت تابعة للقطاع العام، لإجبارهم على الاستقالة أو تقليل الرواتب وتحجيم دورهم ووضعهم الوظيفي. وبعد أن أخذت الظاهرة بُعدا سياسيا وتدخل وزير العمل الفرنسي لدى الشركة، وطالب المديرَ التنفيذي لها بتوضيح أسباب هذه الظاهرة والعمل على الحد منها، بدأت تخرج التبريرات من الشركة بأن هذه الحالات عادية جدا، ولا ترقى لمستوى الظاهرة. فانتحار 23 موظفا من بين 100 ألف موظف يعملون بالشركة، ليس بالأمر الخطير بحسب تبريراتهم. كما اعتبروا حالات الانتحار بسبب مشاكل فردية وشخصية لا علاقة لها بالعمل. فيما أن حالات الانتحار ومحاولات الانتحار التي كان آخرها إلقاء موظفة بنفسها من الدور الرابع بمبنى الشركة في باريس. وهي تبلغ من العمر 32 عاما. ما يؤكد أن ضغوط العمل وآلياته ضالعة في هذه الأزمة، خصوصا وأنه قبل هذا الحادث بيومين طعن أحد الموظفين نفسه بسكين ويخضع للعلاج حاليا، بسبب تهديده بتغيير وضعه الوظيفي إلى درجة أقل مما يعمل عليها. وفي الوقت نفسه اعتبرت الشركة وصول المسألة إلى الدوائر السياسية ربما يشكل خطرا عليها، أو ربما يكون دعاية سلبية لها، ومن ثم أعلنت عن نيتها مواجهة هذه الظاهرة بزيادة عدد المعالجين النفسيين لموظفي الشركة. وهو حل يؤكد وجود أزمة ويحاول أن يتفاداها. ولكن هل ينجح في ذلك، خاصة مع تفاقم الأزمة تدريجيا؟ أم أنها يمكن أن تصبح ظاهرة ممتدة إلى شركات ومؤسسات أخرى خلال الفترة المقبلة؟ بالطبع هذه الظاهرة لا تقتصر على شركة فرانس تليكوم وحدها، ولا على الموظفين الفرنسيين دون غيرهم، بل تمتد إلى دول أخرى كثيرة. فقد سبق أن تم رصد أكثر من حالة انتحار في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربية وكذلك دول عربية منها الكويت؛ بسبب الأزمة المالية العالمية. كما وقعت في مصر حوادث قتل وانتحار، ومحاولات انتحار، جراء تلك الأزمة التي ألقت بظلالها على تعاملات الأفراد في البورصة. وكان من ضمن هذه الحوادث انتحار الملياردير الألماني أدولف مركل في بداية الأزمة، بعد أن خسر جزءا كبيرا من ثروته، وتراجع ترتيبه في قائمة أغنى أغنياء العالم. إذ ألقى بنفسه تحت عجلات القطار ليتخلص من حياته، وهو في الثالثة والسبعين. لا شك أن تبعات الأزمة تكون أكثر خطورة وتأثيرا على صغار الموظفين، وعلى المواطنين العاديين الذين يضعون كل أملهم في حلم الوظيفة أو المستوى الاجتماعي والمادي الذي وصلوا اليه، وأصبحوا يعتمدون عليه بشكل كبير. وربما يكونون قد حققوا قدرا من الرفاهية في حياتهم لم يعد باستطاعتهم الاستغناء عنه، وبالتالي يفضلون الانتحار عن الاستمرار في الحياة بعد فقد ميزات كثيرة كانوا يتمتعون بها. يذكر أن هناك العديد من الأبحاث العلمية التي صدرت في مجال علميّ النفس والاجتماع خلال السنوات الأخيرة، أكدت على الأثر السيئ المترتب على طغيان القيم المادية على المنظومة الاجتماعية الحديثة، بسبب تسرب قيم الحضارة الحديثة بماديتها المفرطة إلى عقول الأشخاص، وغياب العنصر الروحي عنها. مما يؤثر سلبا على عدد كبير من الناس، لدرجة تدفعهم الى الانتحار إذا فقدوا جزءا من المكتسبات التي حصلوا عليها. ويكون الانتحار هو الحل السهل والمباشر ربما لأتفه الأسباب، لفقدان الثقة في النفس والأمل في الحياة. ما يؤكد أن العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي الذي يمكن أن يدفع الناس للانتحار، خاصة بعد أن تحول هذا العنصر من وسيلة إلى غاية يسعى إليها الجميع، وبفقدان هذه الغاية تصبح الحياة بلا معنى ويكون الانتحار.
| |